U3F1ZWV6ZTUyOTY3NzgxNjYyNzk3X0ZyZWUzMzQxNjY1Njg0MjcwMA==

مقالة رائعة حول هل الحقيقة مطلقة أم نسبية ؟ علامتها ممتازة بكالوريا 2026


 طرح المشكلة:

عادة ما ترتبط المعرفة بالإنسان ، لأنه هو الكائن الوحيد الذي يملك استعدادات فطرية تمكنه من تحليلها ، و أقصى ما يطمح إليه هو إدراك الحقيقة ، و التي تعرف على أنها المعرفة الشاملة و الكاملة بالواقع ، و لقد تباينت مواقف الفلاسفة ، فمنهم من أقر بوجود حقيقة مطلقة مادامت الأشياء متضمنة لصفاتها في ذاتها و العقل هو المدرك لها ، و في المقابل هناك من يؤكد عدم إمكانية بلوغها ، ويرى أن الحقيقة نسبية و لا وجود لشيء نهائي يجب الوقوف عنده مادام العالم في تغير مستمر . ضمن هذا الجدال الفلسفي نتساءل نحن بدورنا هل الحقيقة نسبية أم مطلقة ؟ بصيغة أخرى هل المنطلق الأول للبحث عن الحقيقة هو القناعة بنسبيتها ؟

الموقف الأول:

يؤكد مجموعة من الفلاسفة والمفكرين ان الحقيقة ذات طبيعة مطلقة ثابتة تتجاوز حدود المكان والزمان و الأشخاص فكل ما هو حقيقي حسبهم بالضرورة مشترك بين الجميع لانه يستند الى معايير واسس تجعله ثابتة وابرزها المعيار العقلي وقد اكد على هذا الطرح كل من أفلاطون ،ارسطو ؛ديكارت ؛سبينوزا .... وقد اعتمدوا على الحجج الآتية:

نجد افلاطون قديما يميز بين عالمين ، عالم المحسوسات و عالم المثل ، فالأول يمثل العالم المادي المحسوس المتغير ، و موجوداته هي بمثابة ظلال و أشباح لعالم المثل ، وهذا الأخير يمتاز بكونه عالم معقول و ثابت كامل ، وفيه توجد النماذج العليا لكل موجوداته ، كما انه خاص بالموهوبين و لا تدركه الأبصار و فيه يعاين الفيلسوف سلسلة من المثل كالخير و الجمال المطلقين و الدائرة الكاملة ، لهذا كانت الحقيقة المطلقة مجسدة في الفكر الدي ينتقل بنا من الأدنى إلى الأولى اول من المحسوس الى المجرد ، وقد جاء افلاطون بنظرية المثل لأن المحسوسات تختلف من صفاتها و لذلك فليس هناك صفة ذاتية مشتركة ، فالهندسة مثلا ليست هي عالم مسح الأراضي و لكن هي النظر في الأشكال ذاتها ، وكذلك عالم الحساب ليس هو علم الجزئيات كما يفعل التاجر بل هو عالم الاعداد هادفا الى الوصول الى درجة العقلانية التامة و عليه أصبحت المثل عند افلاطون تحدد المعيار الذي يجب آن يسير عليه الفرد ، هي عامة و مشتركة لدى الجميع ، معقولة لا حسية ، تطبق في كل زمان و مكان لأنها لا تتأثر بالظروف و التجربة ، وهذا دليل على أن الحقيقة لا توجد في الواقع المحسوس و المتغير . و في السياق نفسه نجد ارسطو يؤكد على صفة المطلقية بالنسبة للحقيقة ، إلا انه يختلف مع استاذه افلاطون في الاعتقاد بوجود حقيقة ثابتة مفارقة لهذا العالم ، فكل شيء فيه عبارة عن جوهر – ماهية – و صورة ، و الجوهر هو الحقيقة الثابتة التي يجب على المفكر أن يصل إليها و أن يدركها في شكلها المطلق ، لانه حقيقة لا حقيقة فوقها ، فلكي يوجد الشيء لا بد له من جوهر كنقطة بداية ، هذا الشيء الجزئي المفرد الموجود خارج العقل الذي له صفة مادية لا بد أن توجد له صورة ، والبرهان العلمي لوجود الأشياء يخضع إلى معرفة استقرائية ،أي معرفة بالجزئيات ، والمعرفة الحسية لا تخطئ الحكم الصادق ما دام البرهان العلمي يعتمد على الشيىء الظاهر و كان هذا الأساس تساءل كيف تمت هندسة الكون الواسع بإشكال لا نهاية لها وهو لا يقبل أن تكون الحركة بلا بداية فلا بد أن تكون الحركة مصدر و هو الله المحرك الاكبر فهو لا يتحرك وهو كائن غير مرئي لا يتغير أنه السبب النهائي للطبيعة والقوة الدافعة للأشياء واهدافها ولهذا كانت الحقيقة عند “ارسطو” تمكن في المحرك الذي لا يتحرك ويقصد بالمحرك – الله – الذي يمثل جوهر الوجود. أما إذا نظرنا الى صفة المطلقية للحقيقة في الفلسفة الحديثة فإننا نجد “ديكارت” لا يعترف بالمعرفة الحسية و جعل من الشك الطريق الاساسي لبلوغ الحقيقة و وسيلة في ذلك هي العقل نفسه فالحقيقة عنده هي مالا ينتهي إليه الشك وعلى هذا الأساس لا يكون الحقيقي إلا ما هو واضح و بديهي ومتميز أو بتعبير اخر ان معايير الحقيقة تتخلص في البداهة و الوضوح ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفهم الكوجيتو الديكارتي انا افكر اذن انا موجود فخاصية التفكير هي حقيقة الوجود البشري حسب ديكارت فإذا توقف الإنسان عن التفكير توقف عن الوجود ولهذا نجده يؤكد على أن الحكم الصادق يحمل في طياته معيار صدقة و هو الوضوح الذي يرتفع فوق كل شيئ و يتجلى هذا في البديهيات الرياضية التي تبدو ضرورية و واضحة بذاتها وهو القائل " أن الاشياء التي نتصورها تصورا بالغ الوضوح و التمييز هي صحيحة كلها " أما بالنسبة “لسبينوزا” فهو يرى أنه ليس هناك معيار الحسية خارج عن الحقيقة” فهل يمكن ان يكون هناك شيئا آكثر وضوحا و يقينا من الفكرة الصادقة يصلح أن يكون معيارا للحقيقة ” فكما أن النور يكشف عن نفسه و عن الظلمات كذلك الصدق هو معيار نفسه ومعيار الكذب. و في السياق نفسه نجد المتصوفة يعتبرون الحقيقة المطلقة هي الحقيقة المتصوفة باعتبارها شعور يستولي على المتصوف عند بلوغ الحقيقة الربانية المطلقة عن طريق الحدس و يصل المتصوف إلى هذه الحقيقة بعدة طرق فقد تكون من خلال الإتحاد بالله عن طريق الفناء كما يؤكد على ذلك “ابي يزيد البسطامي” او عن طريق حلول الله في مخلوقاته فيما يذهب اليه “الحلاج” أما الطريق الثالث فيجسد التقاء وجود الخالق و وجود المخلوق اثباتا لوحدة الوجود كما يقول “ابن عربي” ولا يتم له ذلك الا بمجاهدة النفس بدلا من البحث عن الحقيقة الالهية- الربانية- وهذا من خلال الكشف الذي يقابل البرهان العقلي عند الفلاسفة و المتكلمين. يقول “ابو حامد الغزالي” الكشف هو الإطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغبية و الأمور الحقيقية وجودا و شهودا الأول طريقة الالهام و هو العلم الذي يقع في القلب بطريق الفيض من غير استدلال ولا نظر بل بنور يقذفه الله في الصدر اما الامور الحقيقية فطريقها الحدس حيث يمكن للشخص المؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ الحقلية الى ان تحصل له المعارف حدسا وبهذا اصبح المتصوف يصل الى مرتبة الاتحاد بالله حيث يكون الله والمخلوقات حقيقة واحدة هي عله لنفسها و معلولة لنفسها أما السعادة عند الفلاسفة فتتحقق بمجرد اتصال الحكم بالله دون اندماجه في الذات الالهية . و في السياق نفسه و بعيدا عن النظرة الصوفية نجد ابن رشد فيلسوف قرطبة يرى ان الحقيقة الدينية واحدة ولكن طرق تبليغها متعددة بتعدد طبائع الناس و مستويات إدراكهم العقلي ، و في هذا الإطار يتحدث ابن رشد عن ثلاثة شرائح من الناس هم : أهل البرهان ، و أهل الجدل ، و أهل الخطابة ، و إذا كان مصدر الحقيقة الدينية هو الوحي فهي حقيقة واحدة و مطلقة و لا يمكن الشك فيها من قبل الإنسان المؤمن ، و الشيء نفسه فيما يخص الحقيقة الفلسفية التي تتأسس على البرهان العقلي الذي إذا التزمنا بقواعده فإننا حتما نصل إلى نتائج قطعية . إنطلاقا من هذا رأى ابن رشد أن الحقيقة الفلسفية لا تتعارض مع الحقيقة الدينية لأن كليهما مطلقتان و متوافقتان ، لأن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له.

نقد و مناقشة:

من هذا أصبحت الحقيقة حسب ما أكد عليه العقليون وحب النظرة الصوفية تتصف بالمطلقة ، لكن بالنظر على هذا التصور من زاوية تطور التفكير و خاصة التفكير العلمي ، فإننا نجد أن النسبية خاصية أساسية من خصائصه ومن الأزمات التي عاشتها المعارف المتوصل إليها من طرف العلماء قديما وحديثا و تغيرها دليل على ذللك ، ومن جهة أخرى بماذا نفسر تحول النظام الثابت الدي تخضع له الظواهر الطبيعية ، حيث أصبح في العصر الحديث و المقام ينطبق على بعض الظواهر فقط لهذا فإن الحقيقة نسبية و ليست بإمكان الانسان ان يعتنق المطلق باستعدادات محدودة ، ولذللك فإن الإيمان بوجود حقيقة مطلقة يجعلنا نلجأ إلى معيار ذاتي باعتبارها مرتبطة بالإدراك العقلي ، هذا الاخير لا يخلو من الاعتبارات الشخصية ، حيث تتدخل الميول و الرغبات و الآراء الشخصية لكي تجعل الفكرة صادقة ، بدليل ان قضية حركة دوران الارض حول الشمس التي هي قضية واضحة بالنسبة الينا اليوم ، في حين كانت فكرة صحيحة لدى خصوم غاليلي ، لهذا فالشعور بالبداهة و الوضوح و الادراك العقلي لمختلف الموضوعات لا يمكن أن يكون برهانا مطلقا على وجود حقيقة مطلقة.

الموقف الثاني:

إن الحقيقة ذات طبيعة نسبية فهي متغيرة من فرد إلى آخر و من مجتمع إلى آخر و متعلقة بالزمان والمكان فكل ماهو حقيقي خاضع للتغير و النسبية و أكد على هذا كل من السوفسطائيون و أصحاب النزعة العلمية كلود برنار و غاستون باشلار وكذلك جون ستيوارت ميل بالإضافة الى المذهب البراغماتي بزعامة كل من ويليام جيمس و بيرس و أيضا جون ديوي و اصحاب المذهب الوجودي كل سارتر و هيدغر و في تأكيدهم للطابع النسبي للحقيقة اعتمدوا على حجج الآتية :

نجد أنصار العلوم التجريبية ، المعرفة العلمية الذين يؤكدون على نسبية الحقيقة فلا وجود لشيء ثابت حسب نظرية الفيزيائي هايزلبيرغ في علاقات الارتياب التي تؤكد استحالة تحديد موقع الإلكترون وسرعته في أن واحد ، و التي طرحت مشكلة الحتمية في العلم ، وبما أن التوقع أصبح مستحيلا في الفيزياء الذرية فالتصور الكلاسيكي للحتمية ينهار تماما ليحل محله الاحتمال. و الصورة نفسها التي ميزت مجال الفيزياء تنطبق على الرياضيات باعتبار انها كانت تجسد مثالا لليقين و الدقة و المطلقية ، حيث نجد هدا اليقين في عصرنا اصبح نسبي. و مع ظهور الهندسة اللااقليدية مع لوباتشفسكي و ريحان الالماني – فكانت المسلمة التي وضعها اقليدس و التي أثارت الكثير من الشكوك تلك المعروفة بمسلمة التوازي و تصاغ عادة كما يلي : من نقطة خارج مستقيم يمكن رسم مستقيم واحد فقط موازي للأول ، و على أساس هده المسلمة يبرهن اقليدس على عدة قضايا في مجال الهندسة و منها على الخصوص القضية القائلة : ان مجموع زوايا المثلث تساوي180 درجة .فكانت محاولة لوباتشفسكي – الجريئة قائمة اساسا على البرهان بالخلق حيث حدد مسلمات اقليدس التي تجسد عكس القضية لإثبات نقيض القضية فتوصل الى انه من نقطة خارج مستقيم يمكننا انشاء أكثر من موازي للمستقيم ، و إنطلاقا من هدا الافتراض توصل إلى عدة نظريات هندسية من دون أن يقع في التناقض ، والنفس الشيء مع ريمان الذي افترض انه من نقطة خارج مستقيم لا يمر أي موازي له ، و هذا ما يؤكد ان الحقيقة في الرياضيات المجردة لم تبق علم دقيق و مطلق و إنما اصبح يتميز بالنسبية. في بداية القرن 20 م استغل أصحاب النظرة البراغماتية فكرة النسبية العلمية لبناء مذهبهم متخذين المنفعة مقياسا للحقيقة ، و أصبحت حقيقة الشيء تكمن في كل ماهو نفعي عملي و مفيد في تغيير الواقع و الفكر معا في هذا يقول وليام جيمس : " يقوم الصدق بكل بساطة فما هو مفيد لفكرنا و صائب فيما هو مفيد لسلوكنا " هكذا فإن الذاتية متناقضة فإذا كنت تعتقد أن اراء غيرك صادقة نسبيا فكانت ترى رأيك صادقا صدقا مطلقا مثلما اعتقدت ان الأرض كروية و اعتقد غيرك أنها مسطحة يقول جيمس : " أن الناس يعتقدون في القرون الماضية ان الارض ان الارض مسطحة و نحن نعتقد اليوم انها مستديرة ، إدن الحقيقة تغيرت و أنت ربما تقتنع بهذا القول و لا يقتنع غيرك " و بهذا فالحقيقة عند جيمس ليست غاية في ذاتها بل هي مجرد وسيلة لإشباع حاجيات حيوية أخرى ، كما أن استمرار تاريخ الفكر البشري يؤكد على أن الحقيقة لم تستطع ان تتواجد في معزل عن اللاحقيقة و نقصد بذللك نقائض الحقيقة و اضدادها ، فلكيا يكون العلم مطلقا – نهائيا – لا بد أن يكون تاما إلا أن هذا لن يتحقق . يقول بيرنارد " يجب أن تكون الحقيقة كقنعة بأننا نملك العلاقات الضرورية الموجودة بين الأشياء إلا بوجه تقريبي كثير أو قليلا ، و أن النظريات التي نمتلكها هي أبعد ان تكون حقيقة مطلقة " إنها تمثل حقائق جزئية مؤقتة و هذا يخالف الموقف الفلسفي المثالي الدي يعتقد الوصول الى الحقيقة المطلقة ، و في هدا الصدد يقول بيرس : إن تصورنا لموضوع ما هو تصورنا لما قد ينتج عن هدا الموضوع من آثار علمية لا أكثر و معنى هذا القول : أن المعارف الصحيحة انما تقاس بالنتائج المترتبة عنها على أرض الواقع. و في الفلسفة الوجودية نجد الفرنسي جون بول سارتر الدي يرى ان مجال الحقيقة الاول هو الانسان المشخص في وجوده الحسي و ليس الوجود المجرد كما في الفلسفات القديمة ، وحقيقة الانسان تكمن في انجاز ماهيته لأنه في بداية امره لا يملك ماهية فهو محكوم عليه بأن يختار مصيره ، يقول : فأنا أفرغ ذاتي و كياني بأكملها في العمل و أنا ما افعله إذن الحقيقة حقائق و آن المطلقية منها مقيدة بالمذاهب و التصورات.

نقد و مناقشة:

لكن بالنظر إلى موضوع الأحكام و القوانين العلمية نجده شيئا واحدا ، وما تغير سوى الآراء ، لهذا لا يصح القول بنسبيتها مثلما يعتقد هؤلاء ، بل الحقيقة مطلقة لأن الارض مثلا لايمكن ان تكون مسطحة و كروية في آن واحد من حيث الشكل و إلا وقعنا في التناقض ، كما ان المعارف السابقة ليست كلها خاطئة و تاريخ العلم يؤكد على ان العلماء توصلوا الى معارف جديدة إنطلاقا مما هو سائد سابقا لأن العلم ما هو الا حلقات متصلة ، و العالم لا يمكنه ان ينطلق من العدم لذا فالحقيقة صادقة في ذاتها و متغيرة بالنسبة الينا . ومن جهة لا يمكن ان ننكر دور المنفعة في حياتنا العملية ، ولكن ذللك لا يؤهلها لتكون مقياسا للحقيقة ، لان الحقيقة يجب ان تتميز بالشمولية و الموضوعية ، ومنه فالفكر في البراغماتية تكون صحيحة لو انتصرت على الجانب العلمي التجريبي . فالحقيقة اسمى من أن تقتصر في المنفعة فالمنفعة قد تكون مقياسا لما هو مادي ، و لكن لا يمكن أن تكون مقياسا عاما توزن به كل افكارنا و قيمنا ، يحط من قيمة الانسان ، لأن المنفعة كهدف تنجر عنها تجاوزات لا اخلاقية خطيرة . أما الفلسفة الوجودية فقد حصرت الحقيقة في الانسان و تجاهلت المواضيع الخارجية التي تكون مصدرا هاما لها ، فالانسان قد يعني نفسه و يدرك حقيقتها ، و الوقت نفسه فهو يتوق إلى ادراك العالم الخارجي الذي ينطوي على الكثير من الظواهر و الأشياء التي تستحق البحث و التنقيب ، ومن جهة أخرى فإن الوجودية تضرب القيم الاخلاقية عرض الحائط ، لأنها تقف في وجه الانسان و تحول دون تحقيق ذاته – ماهيته – و هذا أمر غير مسلم به على الإطلاق.

التركيب:

ومن خلال ما تم ذكره نجد هناك من يعتبر الحقيقة مطلقة و البعض عكس ذلك ، لكن الواقع يبين ان الحقيقة العلمية في اطارها الخاص تصدق على كل الظواهر و تفرض نفسها على كل عقل و بهذا المعنى تكون مطلقة فحين نقول أن الماء يتكون من ذرتين من الهيدروجين و ذرة من الأكسجين لا نعني بذللك كمية الماء التي اجريت عليها الاختبار بل نعني  كمية من الماء على الإطلاق . لا توجد هذه الحقيقة في عقل الانسان الذي اجريت امامه الاختبار بل في كل عقل بوجه عام ، ولكننا قد نكتشف في يوم ما املاحا في الماء بنسب ضئيلة فيصبح الحكم السابق نسبيا يصدق في إطاره الخاص ، و هدا الاطار قد يكون هو المجال الدي تصدق فيه الحقيقة العلمية كما هو الحال بالنسبة لأوزان الاجسام التي يظل مقدارها صحيح في اطار الجاذبية و لكنها تختلف إذا نقلت إلى مجال الفضاء الخارجي لهذا فإن الحقيقة المطلقة كثيرا ما يعبر عنها بالنسبية.

حل المشكلة:

و عليه فإننا نصل الى أن الحقيقة متغيرة حقا نتيجة تعدد مجالات البحث ، لكن تغيرها يأخذ مصطلح التراكمية أي إضافة الجديد للقديم ، ومن ثمة فإن نطاق المعرفة التي تنبعث من العلم يتسع باستمرار ومن هنا يكون انتقال العلم الى مواقع جديدة على الدوام علامة من علامات النقص فيه ، بل أن النقص يكمن في تلك النظرة القاصرة التي تتصور أن العلم الصحيح هو العلم الثابت و المكتمل ، وفي هذا تأكيد على أن الحقائق كلها نسبية و هي متعددة تابعة لمؤثرات بشرية و فكرية ورغم ذللك فإن الانسان يطمح دائما إلى بلوغ الحقيقة الاولى مهما كان مفهوم الثبات.



Commentaires
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire

Enregistrer un commentaire