U3F1ZWV6ZTUyOTY3NzgxNjYyNzk3X0ZyZWUzMzQxNjY1Njg0MjcwMA==

مقالة العنف و التسامح هل نقابل العنف بالعنف أم بالتسامح ؟ بكالوريا 2026


 طرح  المشكلة:

العنف من الظواهر الاجتماعية التي لا يخلو منها أي مجتمع في شتى الأزمنة ، و يقصد به كل عمل يلحق أذى بالآخرين سواء كان هذا الأذى ماديا أو معنويا ، و بما أنه سلوك عدواني انتقامي فإنه يستوجب معه استخدام القوة التي تنتهي إما بالتسلط على الآخر ، أو تنبيهه ـ على الأقل ـ بوجود كراهية تجاهه . غير أن الاختلاف بين المفكرين تمثل في مشروعية العنف . فمنهم من اعتبره ظاهرة ايجابية لها مبرراتها الطبيعية . ومنهم من رأى فيه سلوكا مرضيا سلبيا لا ينتهي إلا بمزيد من العنف المضاد و مضاعفته ، و عليه : هل العنف ظاهرة طبيعية مشروعة يمكن تبريره كظاهر انسانية ؟ ام انه سلوك مرضي سلبي يفقد كل مبرراته و مشروعيته ؟

الموقف الأول:

يذهب أنصار هذا الطرح للتأكيد على فكرة أساسية مضمونها أنه يوجد جملة من أسباب النفسية . الاجتماعية . الاقتصادية جعلت العنف مشروعا من أجل البقاء . إن العنف هو أصل حركة العالم و إثبات الذات بل هو أداة شرعية أخلاقية من اجل استرجاع الحقوق المغتصبة . إن التخلي عن فكرة الصراع في حياة الإنسان هو تعبير عن الضعف و الرضوخ لأخر و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج الآتية: 

يرى هيرقليطس في كتابه "الشذرات" أن الصراع ( أو الحرب ) ليس مجرد سلوك عدواني عابر، بل هو المبدأ المحرك للكون بأسره. فحجته تقوم على فكرة "وحدة الأضداد"، حيث يؤكد أن الوجود لا يستقيم إلا بالتصادم والتدافع؛ فبدون الليل لا نعرف النهار، وبدون الحرب لا نعرف قيمة السلم. يقول هيرقليطس : " الحرب هي أب لجميع الأشياء وملك على كل شيء " ، ويقصد بذلك أن التوتر الدائم هو الذي يخلق التناغم في العالم ( مثل توتر أوتار القيثارة ) . فالعنف في نظره هو "العدل الكوني"، لأن القوة هي التي تفرز المعادن النفيسة من الرخيصة، و تميز بين الأسياد و العبيد. لذا، فإن مقابلة القوة بالقوة هي استجابة فطرية و منطقية لقانون الطبيعة الذي لا يعترف بالخمول أو الاستسلام، بل يعترف بالغلبة للأصلح والأقوى. 

ينطلق توماس هوبز في كتابه الشهير "الليفياثان" من تحليل سيكولوجي و أنثروبولوجي للطبيعة البشرية، واصفا إياها بأنها طبيعة شريرة، أنانية، وميالة للسيطرة. يرى هوبز أن البشر في "حالة الطبيعة" ( قبل ظهور القوانين ) كانوا يعيشون في فوضى عارمة وصفها بـ "حرب الكل ضد الكل"، حيث كان "الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان". ومن هذا المنطلق، يرى هوبز أن التسامح مع العنيف هو انتحار، لأن الشرير لا يفهم لغة الأخلاق بل لغة القوة. فالمواثيق و العهود في نظره هي مجرد كلمات لا قيمة لها ما لم يدعمها "السيف"؛ أي القوة الرادعة التي تمارسها السلطة (الدولة). فمقابلة العنف بعنف مضاد و مشروع هو الضرورة الوحيدة التي تضمن الأمن و تجبر الأفراد على احترام القوانين خوفاً من العقاب، و بدون هذا الردع العنيف ستنهار الحضارة و تعود البشرية لغابة الفوضى.

يرى أنصار المدرسة الماركسية ( كارل ماركس و فريدريك إنجلز ) في مؤلفات مثل "رأس المال" و "البيان الشيوعي"، أن العنف ليس مجرد خيار عدواني، بل هو "القوة المحركة للتاريخ". تنبني حجتهم على أن التاريخ البشري هو صراع دائم بين طبقات مستغلة ( بكسر الغين ) وطبقات مستغلة (بفتح الغين ). و بما أن الطبقة المسيطرة (البرجوازية) تستخدم العنف الهيكلي والمادي (الشرطة، الجيش، القوانين الجائرة) للحفاظ على امتيازاتها، فإن التسامح معها يعد تكريسا للظلم. لذا، يصبح "العنف الثوري" الذي تمارسه الطبقة الكادحة (البروليتاريا) ضرورة تاريخية و أخلاقية. فالعنف هنا هو قابلة كل مجتمع قديم حامل بمجتمع جديد ؛ أي أنه الأداة الحتمية لتحطيم القيود و بناء مجتمع عادل. مقابلة عنف المستغلين بعنف ثوري مضاد هو السبيل الوحيد لإيقاف عجلة الظلم و تحقيق التحرر الإنساني الشامل.

 و من الناحية التحليلية للنفس يؤكد فرويد أن أصل العنف يتحدد كصراع بين نزعتين أساسيتين : نزعة الحياة (إيروس) ، ونزعة الموت (ثناطوس) الأولى تنزع نحو المحافظة على حياة الذات ، و الثانية : تنزع نحو إرجاع الحياة إلى السكون و بشكل عام الثورات الشريفة ترى في العنف واجبا أخلاقيا يستهدف استئصال الظلم من المجتمع ، و تصحيح الواقع الرديء. يقول الزعيم الصيني ماو تسي تونغ : " إننا نقوم بالحرب من أجل السلم ، لا الحرب من أجل الحرب " ، لذلك فتحرير الأرض من المغتصب غاية شريفة تبرر استخدام العنف ، وفقا للمقولة التي ترى أنه " ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلى بالقوة "

النقد و المناقشة :

و من هنا بالعنف وسيلة شريفة شرف غايته ، وهو ضرورة هدفها تصحيح الواقع ، و إعادة الأوضاع إلى طبيعتها لكن مبررات العنف لا يجب أن تتخذ كذريعة لاستخدامه في كل شيء ، لأن كثيرا ممن يستخدمون العنف يتسترون وراء الدفاع عن النفس ، بالولايات المتحدة مثلا تبسط سيطرتها على بعض الدول الضعيفة بحجة نشر الديمقراطية و القيم الإنسانية ، و إسرائيل ترتكب المجازر في الأراضي الفلسطينية بحجة الدفاع عن نفسها وحماية أمن مواطنيها

الموقف الثاني: 

يذهب أنصار هذا الطرح للتأكيد على فكرة أساسية مضمونها انه ينبغي مقابلة العنف بالتسامح كفضيلة أخلاقية تعبر عن سمو الإنسان . هذا الطرح وجد في الوقت الذي حدث فيه اقتناع انه ينبغي التخلي عن فكرة الحقد و الصراع لان العنف لا يولد إلا العنف و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج الآتية:

يعتبر فولتير، في كتابه الشهير "رسالة في التسامح" ، أن التسامح هو الثمرة الطبيعية للاعتراف بالضعف البشري. فحجته تقوم على أن البشر جميعا خطاءون بطبيعتهم، لذا فلنصفح متبادلين عن حماقاتنا، ذلك هو القانون الأول للطبيعة . يرى فولتير أن مقابلة العنف بالعنف ( خاصة العنف الديني و التعصب ) لا تؤدي إلا إلى دمار المجتمع و تفكيك روابطه. الحكمة في نظره تقتضي القبول بالاختلاف، لأن "التعصب" هو الذي يولد العنف، بينما "التسامح" هو الضامن الوحيد للسلم الأهلي و التقدم الحضاري. التسامح عنده ليس مجرد تنازل، بل هو واجب أخلاقي يفرضه العقل لتجنب ويلات الحروب العبثية.

ينطلق غاندي في فلسفته، التي لخصها في سيرته الذاتية "قصة تجاربي مع الحقيقة"، من مبدأ "اللاعنف" ليس كضعف، بل كأسمى درجات القوة. حجته المركزية هي أن "العين بالعين تجعل العالم كله أعمى"؛ فمقابلة العنف بالعنف لا تنهي الصراع بل تؤججه و تخلق سلسلة لا تنتهي من الانتقام. يرى غاندي أن التسامح و اللاعنف يمتلكان القدرة على تحويل العدو بدلا من تدميره ، من خلال مخاطبة ضميره و إحراجه أخلاقيا . الحكمة تقتضي كسر حلقة الكراهية، لأن الوسيلة (اللاعنف) يجب أن تكون من جنس الغاية (السلام)، و لا يمكن الوصول إلى غاية شريفة بوسائل قبيحة.

يرى المفكر الفرنسي روجي غارودي، في كتابه "حوار الحضارات" أو "الأنسنة"، أن العنف المعاصر ناتج عن غياب الفهم المتبادل و المركزية الثقافية. حجته تقوم على أن "التسامح" هو المدخل الوحيد لبناء مستقبل إنساني مشترك. يرى غارودي أن الحكمة تقتضي الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الحوار ؛ فمقابلة عنف الآخر بتفهم خلفياته الحضارية و فتح قنوات التواصل معه هو ما يضمن بقاء البشرية في عصر التهديدات النووية والدمار الشامل. التسامح عند غارودي هو فعل إبداعي يهدف إلى إيجاد نقاط تلاقي  بين الثقافات بدلا من الصدام الذي يؤدي إلى فناء الجميع

النقد و المناقشة  :

لا يمكن أن نتجاهل أن الحفاظ على الإستقرار و الأمن و اللاعنف هي من الأهداف التي يطمح إليها الأفراد الجماعات سواء ، لكن هذه النظريات والرؤى التي تجعل من اللاعنف بديلا عن العنف قد ركزت بالأساس على ما يجب أن يكون عليه السلوك البشري أمّا ما هو كائن في العنف ظاهرة لا يخلو منها أي مجتمع ، و  بخصوص دعوة الإسلام إلى الحكمة و المجادلة بالتي أحسن فذلك ليس في الزمان والمكان الذي يعاني فيه الإنسان من ظلم المستعمرين و قهر الغاصبين لأرضه و عرضه وماله ، لأن الإثم يترتب حينها على عدم مجابهة هذا الواقع بالوسيلة المشابهة وهي العنف ، لقوله تعالى : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .."

التركيب :

و بعد عرضنا الموقفين السابقين فلا يمكننا الركون إلى العنف المطلق الذي يدمر الحضارة، ولا إلى التسامح المطلق الذي قد يفهم كضعف ويغري المعتدي. لذا، فإن الحكمة تقتضي غرس وترسيخ وتجسيد قيم التسامح كأصل في التعامل بين البشر و كخيار استراتيجي لبناء مجتمعات قائمة على الحوار و التعايش السلمي. ومع ذلك، يظل العنف المشروع ضرورة واقعية لا غنى عنها، ليس كأداة للعدوان، بل كأداة لحماية الحقوق وصيانة النظام العام. الطبيعة البشرية معقدة؛ فالإنسان كائن مزدوج، يحمل في طياته نزعة نحو الخير والعقل، ونزعة أخرى نحو الشر والعدوان. وبما أن الوازع الأخلاقي (التسامح) قد لا يكفي وحده لردع النفوس الشريرة، وجب وجود وازع قانوني يتمثل في العنف المشروع (مثل القصاص في الشرائع، وقانون العقوبات في الدولة الحديثة). إن هذا النوع من العنف هو في الحقيقة عنف لإنهاء العنف ، فهو يحمي التسامح نفسه من أن يصبح لقمة سائغة للظالمين. فالتسامح هو الروح التي تحرك المجتمع، و القوة المشروعة هي الدرع الذي يحمي هذه الروح، و بهذه المزاوجة فقط يستقيم أمن الأفراد و استقرار الدول

الخاتمة :

و في الخلاصة يجب التأكيد على أن الأساليب لدى الإنسان كثيرة و متنوعة لإثبات ذاته ووجوده أمام الآخرين ،و لهذا فمن الخطأ  أن يلجأ الإنسان دائما إلى العنف لأن ذلك دليل على لاعقلانية و لا مسؤولية تجاه قدسية الإنسان . و مشروعية العنف لا تتأكد إلا إذا كان المقصود من استخدامه هو استعادة الحقوق ، أو رد الظلم ،وأيضا عندما يكون الطريق مسدودا أما جميع الخيارات السلمية ،فتكون مبرراته حينها مبررات دفاعية ليس إلا


ملاحظة: يمكنك إضافة أقوال و أمثلة 



Commentaires
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire

Enregistrer un commentaire