U3F1ZWV6ZTUyOTY3NzgxNjYyNzk3X0ZyZWUzMzQxNjY1Njg0MjcwMA==

هل اليقين الرياضي مطلق أم نسبي ؟ مقالات فلسفية بكالوريا 2026

 


طرح المشكلة:

يعرف الإنسان بتطلعه و فضوله الدائم لبلوغ الحقيقة بمختلف أنواعها و من بينها الرياضيات و التي تعرف على أنها ذلك العلم الذي يهتم بدراسة المقادير القابلة للقياس الكمي و هو الكم المتصل الهندسة و الكم المنفصل الجبر و تتميز الرياضيات بدقة و صرامة نتائجها و هذا ما جعلها مثالا للدقة و اليقين الذي تنشده مختلف العلوم إلا أن العصر المعاصر عرف ظهور أنساق رياضية جديدة أدت إلى تعدد نتائج الرياضيات الأمر الذي أحدث جدلا فكريا واسعا بين الفلاسفة و المفكرين و أدى إلى تضارب آرائهم إنقسموا على إثره إلى تيارين متناقضين تيار يرى بأن اليقين الرياضي مطلق يقيني و دقيق و تيار يرى بأن اليقين الرياضي نسبي تقريبي و متغير ضمن هذا الجدال الواقع بينهم يدفعنا إلى طرح الإشكال التالي : هل اليقين الرياضي مطلق أم نسبي ؟ 

الموقف الأول:

إن الرياضيات علم دقيق يقيني ومصدر دقتها ويقينيتها تقديرها الكمي والحركة المنطقية التي يتبعها الرياضي فيها ولزوم نتائجها عن المقدمات ودقة هذه النتائج وكذا طابعها التجريدي المتصف بالضرورة ولهذا فهي ضالة كل من الفيلسوف لأنه يرى فيها الحقيقة الثابتة وكذا العالم لأنه حول من خلالها سبل البحث العلمي من التعبير الكيفي إلى الكمي ومن التجريب إلى التجريد و يتبنى هذا الموقف كل من " ديكارت سبينوزا بوانكاري " و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج  الآتية:

أن الرياضيات تعتمد على مجموعة من المبادئ المطلقة و أولها البديهيات و هي مبادئ عقلية لا تحتاج إلى برهان لإثبات صحتها و لا تعرف بالتغير فهي ثابتة منذ الأزل مثل " الكل أكبر من الجزء " " القيمتان المتساويتان لقيمة ثالثة متساويتان فيما بينهما " حيث يقول ديكارت في هذا الشأن : " لا أتقبل شيئا على أنه صحيح إلا إذا كان بديهيا و عليه فمهمة الرياضي هي الإضافة و ليس إعادة النظر " و يقول كذلك : " البديهية كالشمعة تضيء نفسها وتضيء ما حولها ولا تحتاج إلى من يضيئها " و يقول سبينوزا : " البديهية هي معيار الصدق و الكذب " . كما تعتمد الرياضيات على المسلمات و هي بدورها مبادئ ثابتة يتم التسليم بصحتها دون برهان مثل مسلمات إقليدس مجموع زوايا المثلث 180 من نقطة خارج مستقيم لا يمر إلا مواز واحد و من نقطتين لا يمر إلا مستقيم واحد . كما تعتبر التعريفات الرياضية من بين المفاهيم المطلقة و الدليل على مطلقيتها هو أنها لم تتغير منذ أن وضعها الرياضي اليوناني إقليدس و من بينها المثلث هو شكل هندسي يتكون من ثلاث زوايا و ثلاث أضلاع ، النقطة هي حاصل إلتقاء مستقيمين ، المستقيم هو مجموعة من النقاط على إستقامة واحدة يقول باسكال :  " الهندسة هي الوحيدة من العلوم التي تنتج براهين معصومة من الخطأ " . و تستمد الرياضيات دقة نتائجها من أساليب البرهنة التي تعتمدها البرهان التحليلي بنوعيه المباشر و الذي نقصد به ربط القضية المراد إثباتها بقضية صادقة ابسط منها بحيث تكون كل قضية نتيجة لما بعدها ، و غير المباشر أو البرهان بالتراجع و هو الذي نبطل فيه نقيض القضية المفترض صحتها لإثبات صحة قضيتنا فنحن نكشف عن استحالة نقيض القضية وبطلانه ،و كذلك البرهان التركيبي والذي معناه الانتقال من قضيتين بسيطتين أو أكثر وصولا إلى نتائج مركبة وجديدة أو هو الانتقال من القضية المراد البرهنة عليها إلى قضية اعقد منها . و هذا ما جعل منها مثالا لكل العلوم كالفيزياء و الكيمياء و الفلك و الجيولوجيا و غيرها التي لم تستطع بلوغ الدقة و اليقين إلا من خلال ترييض نتائجها لذلك يقول بوانكاري : " إن الرياضيات هي اللغة الوحيدة التي يستطيع العلم أن يتكلم بها "

نقد و مناقشة:

رغم أن الرياضيات تعتمد على مبادئ وبديهيات ثابتة وأساليب برهانية دقيقة، إلا أن هذا التيار بالغ في تمجيدها، فاليقين الرياضي ليس مطلقًا دائمًا. فالكثير من النتائج تعتمد على التقريب، كما حدث مع إسقاط بعض البديهيات الإقليدية في الهندسات الحديثة، مما يثبت أن مبادئ الرياضيات ليست كافية وحدها لضمان صدق النتائج في كل الحالات. بمعنى آخر، المطلقية في الرياضيات صحيحة على المستوى النظري، لكنها تتعرض للحدود عند التطبيق العملي أو ظهور أنساق جديدة.

الموقف الثاني:

إن الرياضيات علم نسبي تقريبي و النتائج التي تتوصل إليها نسبية متغيرة فالمبادئ الرياضية حينما تنزل إلى العالم الحسي تفقد قيمتها فتتحول إلى حقائق نسبية تقريبية احتمالية وبعيدة عن الصدق و هذا يجعلنا نقول أن لليقين الرياضي حدود وانه ليس يقينا مطلقا و يتبنى هذا الموقف كل من : راسل – بولغان - بلانشي و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج  الآتية:

إن الرياضيات نسبية و ذلك من خلال تقريبية النتائج فيها ففي مجال الجبر كثيرا ما تلجأ الرياضيات إلى التقريب و التدوير في نتائجها مثلا القيمة الحقيقية للعدد 3.14 الذي هو حاصل 22÷7 لكنه في الحقيقة ليس حاصل 22/7 لأنه عند ضرب 3.14 ×7 لا نحصل على العدد 22 و في هذا يقول اينشتاين : " أن قضايا الرياضيات بقدر ما ترتبط بالواقع بقدر ما تكون غير يقينية " و يقول راسل : " إن الرياضيات بهذه الصفة أصبحت علما لا يعرف عما يبحث و هل ما يقال فيه صحيح " . لقد أدى ظهور الهندسات اللاإقليدية إلى زعزعة اليقن الرياضي فقد ظهرت هندسات جديدة مخالفة لهندسة إقليدس التي كانت قائمة على أساس إستواء المكان الهندسي مما أدى إلى سقوط العديد من المسلمات الإقليدية "مسلمة التوازي" -من نقطة خارج مستقيم لا يمكن إلا رسم موازي واحد-،فظهرت هندسة ريمان التي إنطلقت من أن المكان الهندسي محدب" كروي " و منه – لا يمكن رسم ولا موازي من نقطة خارج مستقيم – و مجموع زويا المثلث يصبح >180 درجة ،كما ظهرت هندسة لوباتشوفسكي التي إنطلقت من ان المكان الهندسي مقعر"نصف كروي" ومنه – يمكن رسم ما لا نهاية من المتوازيات من نقطة واحدة خارج مستقيم-و يصبح مجموع زوايا المثلث <180درجة و في هذا يقول بولغان : " إن كثرة الأنظمة في الهندسة لدليل على أن الرياضيات ليست فيها حقائق مطلقة  " و هذا ما جعل الرياضيين و المناطقة المحدثين ،يعتبرون النسق الرياضي مجرد نسق "فرضي إستنباطي "أي يقوم علي أسس إفتراضية ، و قد أدى هذا التطور الذي عرفته الرياضيات إلى ،ظهور المنهج الأكسيوماتيكي القائم على الافتراض والاستنتاج ،" فالرياضيون أنفسهم ،لم تعد تهمهم فكرة البداهة أو بساطة ووضوح المبادئ ،بل حصروا إهتمامهم في رفع كل تناقض قد يطرأ بين المنطلقات الافتراضية والنتائج المترتبة عنها يقول بلانشي :  " لم تعد الرياضيات اليوم تتحدث عن المنطلقات الرياضية بإعتبارها مبادئ بديهية لأنها في الحقيقة مجرد إفتراضات نابعة لإختبار العقل الحر "

نقد و مناقشة:

صحيح أن بعض النتائج الرياضية نسبية وتعتمد على التقريب أو الافتراضات في الأنساق غير الإقليدية، لكن هذا لا يعني أن الرياضيات فاقدة للحقائق أو اليقين. فكل نسق رياضي صحيح ودقيق داخل قواعده ومبادئه الخاصة، والتعدد في الأنساق يوضح مرونة الرياضيات وليس ضعفها. بمعنى آخر، النسبية في النتائج لا تلغي قيمة الرياضيات المطلقة على مستوى المبادئ والمنطق، بل تبرزها وتوسع تطبيقاتها.

التركيب:

يمكن القول إن الرياضيات مطلقة في مبادئها و منطلقاتها و أساليب البرهنة التي تضمن دقة و صرامة النتائج، و نسبية في بعض استنتاجاتها العملية التي قد تعتمد على التقريب أو تتغير بتعدد الأنساق الرياضية، كما هو الحال في الهندسات اللاإقليدية. هذا التوفيق بين المطلق والنسبي يعكس الطبيعة المركبة للرياضيات: فهي على مستوى المنطق و التجريد ضرورية و ثابتة، أما على مستوى التطبيق فتظهر حدود معينة و مرونة في النتائج. كون المبادئ الأساسية ثابتة و دائمة، مما يضمن صحة الاستنتاجات ضمن النسق الذي وضعت فيه، بينما تختلف النتائج حسب طبيعة النسق أو القياسات التقريبية، دون أن يقلل ذلك من قيمة اليقين الرياضي الذي يظل مثالًا للدقة و الصرامة التي توصل إليها العقل البشري، كما يقول بوانكاري: " كل هندسة محقة فيما تقول إذا بقيت وفية لمبادئها "

حل المشكلة:

يمكن الاستنتاج أن اليقين الرياضي يحمل طابعًا مزدوجًا: فهو مطلق من حيث المبادئ والمنطلقات والأساليب البرهانية التي تمنح الرياضيات دقة واستقرارًا، ونسبية من حيث النتائج التي تعتمد أحيانًا على التقريب وتتنوع بتعدد الأنساق الهندسية. ورغم هذا التباين، يظل اليقين الرياضي أعظم إنجاز للعقل البشري، إذ يتيح للفكر البشري نقل المعارف من التجربة إلى التجريد، ومن الاحتمال إلى اليقين، وهو ما جعل الرياضيات لغة كل العلوم الحديثة، كما أكد برغسون: " العلم الحديث وليد الرياضيات "

ملاحظة: يمكن التوسع في الحجج إذا أردت ذلك 


Commentaires
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire

Enregistrer un commentaire