طرح المشكلة:
يمتلك الانسان العديد من الوظائف الحيوية المهمة التي يستعين بها للتكيف مع العالم الخارجي و مشكلاته ، ومواجهة الاخطار والعوائق التي تعترضه في حياته اليومية الطبيعية و الاجتماعية ، كما يمتاز الانسان عن بقية الكائنات الحية بميزة العقل الذي يضم وظائف ذهنية عليا مثل العادة و التي تعرف بأنها قدرة مكتسبة على أداء الفعل بطريقة آلية مع إقتصاد في الوقت والمجهود ، واكتساب أي عادة يتطلب وجود ملكة نفسية و ذهنية أخرى لدى الانسان وهي الارادة والتي تعرف بأنها القدرة إلى اختيار الفعل بحرية واعية، بما يتوافق مع العقل و الهدف ، لكن الفلاسفة والمفكرين اختلفوا حول أهم وظيفة حيوية تحقق التكيف والتأقلم مع محيطنا الخارجي فهناك من رد عملية التكيف إلى العادة كونها وظيفة بسيطة غير معقدة وهناك من ردها الى الارادة كونها ممارسة يصاحبها الوعي العقلي ، و من هذا الاختلاف و التباين نطرح المشكلة التالية : هل التكيف مع العالم الخارجي يتحقق بالعادة أم بالإرادة ؟
الموقف الأول :
يرى أنصار هذا الموقف أن العادة سلوك إيجابي تحقق و تجسد ذلك من خلال ضمانها لتكيف الإنسان مع واقعه و يمثل أنصار هذا الموقف آلان و مين دو بيران .. حيث يتفق هؤلاء حول الفكرة القائلة أن العادة تؤثر على سلوك الإنسان تأثيرا إيجابيا على مختلف المستويات لما تتمتع به من مرونة و حيوية فالدور الإيجابي الذي تلعبه العادة في تحقيق التكيف والتوافق بين الفرد و بيئته و إدراكه الصحيح للأمور و ذلك أن الإنسان في إدراكه للعالم الخارجي و محاولة التكيف معه لا يكتفي بما يملك من قدرات طبيعية بل هو في حاجة إلى تعزيزها بما يتعلم و ما يكتسب من عادات في خدمة هذا التكيف و لقد برر هؤلاء موقفهم بجملة من الحجج :
تساهم العادة و بشكل فعال بإزالة العناء و الشقاء عن حياة الإنسان و يظهر ذلك من نواحي عديدة : فعلى المستوى الحركي و الجسمي تساعد العادة صاحبها على توفير الوقت و الجهد في أداء العمل مما يسمح له القيام بأعمال أخرى و التكيف بسرعة مع المواقف الجديدة كما أنها كشف لمهارات و تجلي لروح النظام فمثلا : سائق السيارة الذي يقود بمهارة نجده في الوقت نفسه يتبادل أطراف الحديث مع الركاب و يستمع للمذياع قيل : " لو لم تكن العادة تسهل لنا الأشياء لكان في قيامنا بوضع ملابسنا و خلعها نستغرق يوما كاملا " إن كل حركة جسمية هي في الأصل نتيجة لعادة و الدليل على ذلك الرياضي الذي عود جسمه ببعض المهارات في الحركات فهو يقوم بها بكل حرية و إرادة أما الذي لم يعود جسمه على ذلك يصاب بتشنج عضلي لذلك قال آلان : " إن العادة تمنح الجسم الرشاقة و الليونة " و قال أيضا : " هي القدرة على أداء عمل ما كنت في بداية الأمر عاجزا على آدائه " و يمكن أن نلاحظ ذلك من خلال الطفل الصغير أثناء تعلمه للكتابة ففي البداية تكون حركاته عنيفة و تشمل في ذلك التوتر العضلي للجسم كله لكن تزول رويدا رويدا و الفضل في ذلك يعود كله إلى العادة بحيث تحقق المهارة و السرعة كما تظهر فاعليتها على المستوى النفسي تحقق التوازن النفسي فمن خلال السلوكات التعودية تزيد الثقة في النفس و بالتالي يتخلص الفرد من الحركات الخاطئة و يعوضها بحركات ناجحة يقول جون ديوي : " كل العادات تدفع بالقيام بأنواع معينة من النشاط و هي تكون في النفس " فالعادة تحد من تأثير العواطف و الرغبات في نفوسنا كما تقوي قدراتنا على التحمل و الصبر فمثلا : الطبيب لا يتأثر بأنين مرضاه و هكذا فقط يمكنه من آداء عمله بشكل دقيق و ناجح بخلاف الطبيب المتربص فإن يجد في البداية صعوبة في سماعها كما أنها توفر على الإنسان عناء التفكير فهو لا يحتاج إلى وقت كبير في إصدار الأحكام لأنه سوف يقرر وفقا لما تعود عليه فمثلا طالب الفلسفة سيحكم على الطريقة التي يعالجها السؤال بناءا على ما تعود عليه في القسم فهي تساعد في إقتصاد الجهد و الوقت و الإرادة و التركيز حيث يقول وليام جيمس : " لولا العادة لقضينا أياما كاملة في أعمال تافهة " فإن العادة الفعالة الخاضعة للإرادة و الوعي تعمل على تحرير الإنتباه و تساعد على التفكير الناجح حيث يتسنى للمرء ترتيب أفكاره و العمل على تنسيقها يقول جون ديوي : " العادة تحكم قيادة أفكارنا فتحدد ما يظهر منها و ما يقوى و ما ينبغي له أن يذهب من النور إلى الظلام " بالإضافة إلى ذلك تساعد العادة على إبراز إمكاناتها و مواهبها لهذا قيل : " العادة مصدر الإبداع في جميع الميادين " فهي تساعد على إكتساب نشاطات و مهارات جديدة مثال الشخص الذي تعود الضرب على الآلة الراقنة يجد سهولة في إستعمال الكمبيوتر حيث يقول آلان في هذا الصدد : " العادة هي فن القيام بنشاط دون أن نفكر فيه بل أحسن مما لو فكرنا فيه "
نــقـد و مناقشة:
لو نظرنا إلى هذا الموقف نظرة ناقدة لوجدنا فيه بعض النقائص رغم الآثار الإيجابية إلا أن العادة تبقى لها آثار سلبية فهذا الموقف ركز على إيجابيات العادة و تغاضى عن سلبياتها و بذلك العادة ليست دائما سبيلا لتحقيق إنسجام الفرد مع واقعه بل هناك من العادات إذا إستحكمت في النفس فإنها تؤثر على حياة الفرد السوية و علاقته بالآخرين و على فاعليته في المجتمع حيث يقول كانط : " كلما امتلك الإنسان عادات كلما قلت حريته و إستقلاليته " و لقد نبه علماء الأخلاق إلى إستبداد العادة و طغيانها فبمرور الزمن تصبح عائقا أمام الإرادة الإنسانية فمرونة هذا السلوك تؤول في كثير من الأحيان إلى التصلب و الآلية و هذا ما يؤدي إلى الثبات و السكون في سلوك الإنسان و القول بأن العادة سلوك تكيفي مبالغ فيه لأنه غير متجدد و يؤدي إلى التكرار كما أن العادة تقيد الفرد بسلوكات يصعب عليه التخلص منها مثلا : التعصب الفكر أو التعود على بعض العادات الإجتماعية السيئة كالأخد بالثأر و السحر و الشعوذة فالعادة سلوك إذا أحكم قيوده على النفس يجعل الإنسان كالآلة و يقتل لديه الإبداع و حب التغيير كما تنشر الكسل و الإحباط
الموقف الثاني :
يرى أنصار هذا الموقف أن الإرادة قدرة عقلية و بالتالي فهي إيجابية و فعالة في تحقيق التكيف و الفعل الإرادي هو أرقى أنواع الأفعال المعبرة عن ماهية الانسان العاقلة و المعبرة في نفس الوقت عن طابع الإختبار و القصدية و حيوية الوعي لأن الشيء الأساسي و الجوهري في الانسان هو إرادته و يتبنى هذا الموقف كل من سبينوزا ، كانط ... و دعموا موقفهم هذا بالحجج الآتية :
في تصورهم سلوك إيجابي تقوم على الوعي و المناقشة العقلية و هو ما يجعلها أرقى أنواع السلوك المحققة للتلاؤم الذي ينشده الإنسان العاقل ، فلإرادة تمثل جوهر الإنسان و تجسد ماهيته فهي تصميم واع ، و قرار ذهني هادف ، و إختيار يجسد عزم الذات و قصدها ، فيما تريد أن تقدم عليه ، إن جوهر الإنسان و حقیقته ، لأنها تقوم أساسا على ملكة التفكير و الحكم و التبصير ، كما أنها قدرة نفسية متحررة من كل الضغوط ، لأنها تسمح للفرد بأن يكون سيد الموقف ، و تاريخ الفكر يثبت ذلك ، حيث يقدم نماذج كثيرة عن الإرادة التي تعزز الذات و تدعمها و هذا ما نلمحه ميلا في شخصية الأديب طه حسين, فقد تحدى اعاقته البصرية ليكون اديبا فذا له قسطا و قرر من العلم و المعرفة و الفضل في ذلك يعود الى الأرادة بالاضافة أيضا نجد صاحب الإرادة القوية يضع عينيه على أهدافا إجتماعية شريفة و غايات نبيلة وكان متحمسا من أجلها و هذا ما يصدق على المصلحين و الشخصيات السياسية فعبد الحميد بن باديس و مانديلا و الأمير عبد القادر و غيرهم كثير ، فلولا الإرادة الفولاذية لما استطاعوا إحداث أي أثر أو تغير في مجتمعاتهم, و فعالية الإرادة تلتمس من خلال تركبيها و صفاتها و مراحل حدوثها فهي مرآة لشخصيتنا ، لأنها في الأصل قرار ذاتي يتحمل الفرد تبعاته ، كما أنها فعل تأملي يقوم على التفكير و المحاكمة, فالشخص الذي يريد شيئا يدرك ما يفعل و بالتالي يشعر بفعله ويعيه ويعرف تماما الغاية من فعله يقول سبينوزا : " الارادة و العقل شئ واحد " كما يمتاز السلوك الإرادي بالمرونة و التجديد ، و تتمثل جدته في كونه يمنع الإنسان من الاندفاع الآلي إلى الفعل ، كما هو الحال مع الأفعال الغريزية أو التعودية فهو سلوك قصدي و فعل غرضه التكيف و التوافق مع الظروف الطارئة يقول راسل : "انه مخالف للفعل الاعتيادي ، لأن العادة تقوم على التكرار و مخالف للغريزة لأنها عمياء " كما أن مراحل الفعل الإرادي تدل على قيمته ، و البداية تكون من خلال تصور الهدف ، فلا بد للشخص من تصور الفعل و الغاية منه ، لذلك عليه ان يوجه عمله و أن يحشد قواه في سبيل تحقيق ذلك ومثال ذلك : بالنسبة للطالب ، فهو لا يقرر الفعل إلا بعد أن يتصور الهدف من الدراسة و هو النجاح في الإمتحان ، ثم تأتي مرحلة المداولة التي تأخذ شكل الأخذ و الرد و تقليب الأمر على مختلف جوهره يقول ويليام جيمس : " الارادة اختيار العقل مع سبق الاصرار بين الافكار المتعارضة " و المطلوب في هذه المرحلة أن لا يشرع الانسان أو يندفع بشكل ألي أو عشوائي إلى القيام بأول فعل, بل لا بد من التروي و التأني قبل إتخاذ القرار يقول سبينوزا : " ان حقيقة الفعل الإرادي تكمن في تصور الغاية و التروي " و تنتهي المدوالة من خلال الفصل في الأمر و إتخاذ موقف يتمثل في عزم الذات وتصميمها على تجسيد أحد الأفعال أو المواقف الممكنة في الواقع ، ولا يمكن إعتبار القرار فعلا مكتملا إلا إذا كان بالتنفيذ و لا بقي مجرد نية أو تصورا عقليا لا أكثر يقول غوستاف لوبون : " كثرة الكلام ، و اما الإرادة القوية فهي تظهر في الافعال " مما يعني أن أساس الفعل الإرادي هو العمل أي توفر القدرة بفعلية و الواقعية في تجسيد ما نريده ينظر وليام جيمس إلى الفعل الارادي على أنه عنصران : فكرة في عقل شخص و تحول هذه الفكرة الى فعل حركي ، و يكون تحويل هذه الفكرة الى حركة أمرا سهلا إذا لم توجد بالعقل أفكار آخرى تعارض الفكرة التي نريد تحقيقها ، كل هذه المراحل تعبر عن فعل الذات الواعية و المتحررة من أي ضغط . بالإضافة إلى ذلك الفعل الإرادي ينسجم و يتطابق مع القيم و المثل العليا و هذا ما أكده كانط الذي أعطى للإرادة بعدا أخلاقيا حيث قال : " إن الفعل الذي يتم بمقتضى الواجب إنما يستمد قيمته الخلقية لا من الهدف الذي يلزم تحقيقه بل على مبدأ الإرادة وحده ." فحسب كانط بالإرادة القوية و الخيرة يستطيع المرأ مجابهة الميولات و الرغبات الجامحة و العمياء، حيث قال : " فالإرادة الحرة والارادة التي تستجيب للقانون الاخلاقي ارادة واحدة " و في نفس الصدد يعتبرها شوبنهاور مبدأ الوجود كله أما العقل و الميول و أعضاء الجسم ماهي إلا أدوات في خدمة الإرادة حيث يقول : " الحياة رديفة هذه الارادة " و قال سبينوزا : " ان الإرادة لا تبدو في الجسم وحده بل في كل مظاهر الطبيعة و البشرية " ، و على هذا الأساس أنه لا يمكن الحديث عن الفعل الإرادي في ظل غياب التروي و إعمال العقل ، لأن قيمة هذا الفعل وقوته تتجلى في الاستجابة لصوت المنطق وندائه وبالتالي يتم السيطرة على النفس وضبطها وتهذيب سلوكاتها و يظهر الدور الايجابي للإرادة في قدرتها على التأثير في الكثير من الوطائف والسلوكات منها : الفعل التعودي ، ففي البداية يكون شاقا لذلك على الانسان.التركيز والانتباه وتذكر المهارات السابقة وتنفيذ الفعل وكل هذه العناصر تعبر. عن الفعل الارادي ، و من خلال الفعل الإرادي يتم تصحيح الاخطاء حيث يوفر الفرد على نفسه عناء التكرار الفاسد ، فعلى المتعلم إخضاع السلوك أو المهارة التي يحاول اكتسابها إلى دور العقل و الإرادة حتى يتم تكوينها و لهذا قيل :
" الإرادة هي حارسة العادات "
نقد و مناقشة :
على الرغم من أن الإرادة أداة تحقق التكيف أحيانا قد تكون مقرونة بالأهواء و الانفعالات . ويصعب حينها التمييز بين الفعل الإرادي الحقيقي من جهة و بين الأهواء و الرغبات التي تنشط الارادة من جهة أخرى و بذالك تتغلب الرغبة و تعيق التكيف، أما بالنسبة لمراحل الفعل الإرادي يمكننا القول أن الحياة.لا تتسع لجميع الأعمال التي يتصورها الإنسان خاصة في بداية حياته ، فعلى الانسان أن يبحث عن الهدف الذي يستطيع القيام به ، فالظروف الخارجة عن إرادتنا و التي لم نعتد عليها كثيرا ما تعيق تكيفنا مع مشاكل الحياة كالظروف المادية والنفسية والاجتماعية ، أما المناقشة و المدوالة فكثيرا ما تنفلت إلى مأساة حقيقية عندما تعارض الواجب والمنفعة الشخصية
التركيب :
إن تحقيق التكيف و التأقلم مع العالم الخارجي يكون بالعادة و الإرادة معا ، فمن الصعب وضع حدود فاصلة ، و فروق جوهرية بينهما كوسيلتين للتكيف ، ذلك لأن العادة تبنى على الإرادة بإعتبارها المنبع الأصل لكل فعلا اعتيادي ، كما أن أثر العادة في الإرادة واضح بحكم أن أفعالنا الإرادية تتطلب أفعالا تعودية ، فالعادة تعزز الإرادة و هذا الإختلاف الظاهر بين فعل الإرادة و آلية العادة لا يعبر عن القطيعة و عدم الإتفاق لأن العلاقة بينهما علاقة تداخل فالعادة تحتاج إلى الإرادة في تكوينها و اكتسابها و تحصيل العادات يحتاج الى الإدراك و الإرادة. لأن الانسان عند تكراره للأفعال قصد ترسيخها يصحح الأخطاء و يحذف ما هو غير صالح وهذا لا يكون إلا بفعل الإرادة وتوجيهها يقول دولا كروا :
" ان الانتباه و إرادة التعلم وكيفية تصور العمل و مقاسية النتائج بالغاية المقصودة كل ذلك.صدر فعالية السلوك و تحقيق التكيف عن.يؤثر في تكوين العادات "
حل المشكلة :
و نستنتج في الأخير و من خلال ما سبق عرضه أن حياة الإنسان لا تخلو من السلوكات التعودية التي اكتسبها بفعل العادة وساعدته على التكيف مع العالم الخارجي كما لا تخلو من الأفعال الإرادية على إعتبار أن الأنسان يملك القدرة على التوجيه الواعي و الإختيار بين الإقدام على الفعل أو تركه و العلاقة بينهما علاقة تداخل و تكامل وظيفي لأن الحركات الإرادية مبنية على حركات آلية مستقلة و مسبوقة بتصور واضح كما أن الآلية ضرورية للإرادة فهي تسهل القيام بالفعل وتزيد في سرعته هذا ما جعل إمكانية الفصل بينهما غير ممكنة

Enregistrer un commentaire