U3F1ZWV6ZTUyOTY3NzgxNjYyNzk3X0ZyZWUzMzQxNjY1Njg0MjcwMA==

مقالة فلسفية بكالوريا 2026: هل أصل المفاهيم الرياضية عقلي أم حسي؟ (مقالة جاهزة)

 طرح المشكلة :

لقد أولع الإنسان منذ الزمن العابر على طلب الحقيقة بكل أصنافها ؛ منها  النمط الفلسفي و النمط العلمي و أعظمها شأنا النمط الرياضي ، الذي واكب كل تطورات  الإنسان عبر العصور و ميز أعظم الحضارات بقوتها المادية ، لكن التفكير الفلسفي - سيد  المعارف في العصور القديمة و العصور الوسطى – اهتم بالمعرفة الرياضية اهتماما تعلق بمناهجها ، بمنطلقاتها ، و قبله تساءل حول نشأتها ؛ فانقسم  المفكرون في تفسير نشأة  المفاهيم الرياضية إلى نزعتين ، نزعة عقلية يرى أصحابها أن أصل المفاهيم الرياضية من ابتكار العقل دون التجربة ، و نزعة حسية يذهب أنصارها إلى أن أصل المفاهيم الرياضية  يكتسبها الإنسان عن طريق تجاربه الحسية و السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أصل المفاهيم الرياضية عقلية أم حسية ؟

الموقف الأول:

يرى الفلاسفة العقليون وعلى رأسهم أفلاطون، وديكارت، وكانط أن المفاهيم الرياضية أصلها عقلي فهي نابعة من العقل وموجودة بشكل فطري بعيدا عن كل تجربة حسية، فالعقل الإنساني هو الذي ابتكرها وأبدعها من مبادئه الفطرية التي هي أساس كل معرفة كـ الجذور، والكسور، والدوال والعدد السالب والرموز والنهايات كلها لا علاقة لها بالعالم الخارجي. يبرر هؤلاء الفلاسفة موقفهم بالحجج الآتية:

نجد التفسير المثالي القديم مع الفيلسوف  اليوناني أفلاطون حيث يرى أفلاطون أن المفاهيم الرياضية هي معرفة عقلية خالصة تعود إلى عالم مفارق هو عالم المُثل. فالأشياء المحسوسة في نظره متغيرة وناقصة، ولا يمكن أن تكون أساسا لمعرفة يقينية ثابتة كالرياضيات، لأن المعرفة اليقينية لا تبنى إلا على الثبات و الضرورة. ويضرب أفلاطون مثالا بالأشكال الهندسية، كالدائرة و المثلث، إذ إننا لا نجد في الواقع الحسي دائرة كاملة أو مثلثًا تامّ الزوايا، ومع ذلك نستطيع تعريفهما تعريفًا دقيقًا وإقامة براهين يقينية حولهما. وهذا يدل على أن العقل لا يستمد هذه المفاهيم من الحواس، بل يعقلها بذاته. ويؤكد أفلاطون أن التعلم الرياضي ليس اكتسابا جديدا، بل هو تذكر (Anamnesis) لما كانت النفس تعرفه قبل اتصالها بالجسد. فالنفس، في وجودها السابق، عاينت الحقائق الرياضية في عالم المثل، ثم نسيتها عند نزولها إلى العالم الحسي، و يأتي التعليم ليوقظ هذه المعارف الكامنة فيها. وقد جسد أفلاطون هذا التصور في محاورة مينون حين أظهر كيف استطاع غلام غير متعلم أن يحل مسألة هندسية معقدة بمجرد توجيه أسئلة عقلية، دون أي تجربة حسية مباشرة، مما يثبت أن المعرفة الرياضية فطرية عقلية و يقول في هذا الصدد: " الدائرة هي الشكل  الذي تكون جميع أبعاده متساوية عن المركز " أما الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت يؤكد أن المفاهيم الرياضية نابعة من العقل وحده، و أنها تقوم على أفكار فطرية مغروسة في الذهن الإنساني منذ الولادة. و يرفض ديكارت أن تكون التجربة الحسية مصدرا لليقين، لأن الحواس قد تخدعنا، بينما تتميز الحقائق الرياضية بالضرورة والكلية واليقين المطلق. و يرى ديكارت أن القضايا الرياضية تدرك بواسطة الحدس العقلي، أي الإدراك المباشر الواضح والمتميّز، مثل إدراك أن «الكل أكبر من الجزء» أو أن «مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين». وهذه القضايا لا تحتاج إلى تجربة، بل يفرضها العقل على نفسه فرضا. و يستدل ديكارت على عقلية الرياضيات بكونها تتعامل مع مفاهيم لا وجود لها في العالم الحسي، مثل: العدد السالب ، اللانهاية ، الجذور التربيعية، الأبعاد المثالية فهي مفاهيم لا ترى ولا تلمس، ومع ذلك نقيم عليها علوما دقيقة، مما يدل على أن العقل هو الذي أبدعها و صاغها وفق قوانينه الخاصة.

نقد و مناقشة:

هذا الموقف يهمل دور التجربة التي تمنح العقل مادته الأولى؛ فالعقل لا يبتكر مفاهيمه من فراغ. كما أن تاريخ الرياضيات يُظهر أنّ هذا العلم لم يكن جاهزًا منذ البداية، بل تطور تدريجيًا عبر القرون، مما يناقض فكرة الفطرية. ثم إنّ البشر لا يمتلكون نفس القدرة الرياضية منذ الولادة، ولو كانت فطرية لكانوا جميعًا متساوين فيها، وهذا غير صحيح. لذلك يُعتبر الموقف العقلي مبالغًا في تقدير قدرات العقل.

الموقف الثاني: 

يرى الفلاسفة التجريبيون ومن بينهم جون لوك، ودافيد هيوم وجون ستيوارت ميل أن المفاهيم والمعاني الرياضية أصلها التجربة الحسية شأنها شأن كل المعارف الإنسانية التي لا يمكن للإنسان اكتسابها إلا من خلال ربطها بالواقع الحسي، فنحن ننتقل في عملية التعلم من المحسوس إلى المجرد، ومن البسيط إلى المعقد وهذا ينطبق على الرياضيات. يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج الآتية: 

من الناحية التاريخية فإن المرحلة الأولى للرياضيات كانت حسية خالصة "الرياضيات العملية المشخصة" فقد ارتبطت الرياضيات عند الحضارات الشرقية القديمة خاصة الفراعنة والبابليين بالممارسات العملية، حيث ظهرت الهندسة عند الفراعنة وارتبطت بظاهرة طبيعية هي فيضان نهر النيل الذي كان يؤدي إلى إتلاف الحدود بين الأراضي، و إعادة تقسيمها استلزم على الفراعنة تعلم قواعد حساب المساحات "نظام مسح الأراضي" ولهذا عند فحص المدلول اللغوي لكلمة هندسة باللفظ اللاتيني (جيومتري) نجدها تعني قياس الأراضي؛ لأن الهندسة تعتبر تصويرا حسيا لما يوجد في الطبيعة . أما الحساب فقد ظهر خدمة للمعاملات التجارية، والزراعة معرفة مواقيت الري والملاحة"، كما أن الشعوب البدائية كانت تعتمد على أساليب حسية في عملية الحساب، مثل (الحصى، والعيدان، وقوائم الحيوان، وأصابع اليدين والرجلين والعظام... إلخ) وقد استوحوا فكرة العدد من تنوع الأشياء الموجودة في الطبيعة . يرى دافيد هيوم أن الرياضيات مكتسبة ومستوحاة من العالم الخارجي (الطبيعة) عن طريق الملاحظة الحسية فمثلا: الخط المستقيم مستوحى من أشعة الشمس، والمطر المتواصل، ومسيرة السهم الدائرة مستوحاة من الشمس والقمر المثلث من الجبال والنقاط من قطرات المطر. يرى جون ستيوارت مل أن الأشكال الهندسية التي تعتمدها الرياضيات مستوحاة من الواقع الحسي، حيث يقول في هذا الشأن: " إن النقط والخطوط والدوائر التي في أذهاننا.هي مجرد نُسخ للنقط والخطوط والدوائر التي نراها في تجربتنا الحسية ". أما علم النفس التربوي فنجده يؤكد أن الطفل في مقتبل العمر يكتسب المفاهيم الرياضية عن طريق التجربة.الحسية؛ لأن عقله صفحة بيضاء ويتعلم العد بأشياء ملموسة ومحسوسة كالخشيبات والقريصات..الإنسان يولد صفحة بيضاء وعن طريق التجربة يبدأ في اكتساب المعارف، يقول جون لوك: " العقل يولد صفحة بيضاء والتجربة تخط عليه ما تشاء ".

نقد و مناقشة:

هذا الموقف بدوره قاصر، لأنّ الحواس لا تدرك إلا الجزئيات، بينما المفاهيم الرياضية كلية ومجردة لا وجود لها في الواقع المادي؛ فلا يوجد خط مستقيم كامل أو دائرة مثالية. كما أن التجربة الحسية قد تخطئ، بينما المعرفة الرياضية يقينية لا تقبل الشك، وهذا يدل على أن العقل يقوم بعمليات التجريد والتنظيم التي لا تستطيع الحواس القيام بها. وبالتالي فإن الموقف التجريبي يُهمل دور العقل في صياغة المفاهيم الرياضية.

التركيب :

بعد عرصنا للموقفين السابقين يتبين لنا أنّ أصل المفاهيم الرياضية هي ثمرة العقل و التجربة معًا، إذ إنّ المذهبين المتعارضين اللذين فسّرا أصل نشأة المفاهيم الرياضية قد فصلا فصلاً تامًا بين العقل و الحس، رغم أنّ تاريخ الرياضيات يكشف أنّ المعاني الرياضية ليست كلّها أشياء محسوسة خالصة، و ليست في الوقت نفسه مفاهيم عقلية مجردة منذ البداية. بل إنّ نشأتها اعتمدت على تكامل العقل والتجربة في آن واحد. فالمفاهيم الرياضية لم تظهر دفعة واحدة، وإنما نمت وتطوّرت تدريجيًا عبر الزمن: بدأت حسية تجريبية في أول أمرها، ثم تطورت فأصبحت مفاهيم استنتاجية مجردة تعبّر عن أعلى درجات التجريد، كما هو الحال في استعمال الصفر، والأعداد الخيالية والمركبة، والمنحنيات والمماس وغير ذلك. يقول جورج سارتون : " إن الرياضيات المشخصة (التجريبية) هي أولى العلوم الرياضية نشوءا فقد كانت في الماضي تجريبية، ثم تجردت من هذه التأثيرات فأصبحت علما عقليا ".

حل المشكلة: 

نستنتج في الأخير أنّ أصل المفاهيم الرياضية لا يمكن رده إلى العقل وحده ولا إلى التجربة الحسية وحدها، لأن كلاً منهما عاجز عن تفسير نشأة هذا العلم بشكل كامل. فالعقل يزوّد الرياضيات بطابعها المجرد واليقيني، بينما تمنحها الحواس مادتها الأولى التي تُبنى عليها التصورات والمعاني. ومنه فالعقل والحس ليسا متعارضين، بل متكاملان ومتداخلان في إنتاج المفاهيم الرياضية، بحيث يستحيل الفصل بينهما في فهم نشأة هذا العلم. وهذا ما يعبّر عنه الفيلسوف الألماني هيغل بقوله: "كل ما هو عقلي واقعي، وكل ما هو واقعي عقلي".


ملاحظة: يمكنكم التوسع في الحجج 

Commentaires
Aucun commentaire
Enregistrer un commentaire

Enregistrer un commentaire